السيد محمد الصدر
337
منة المنان في الدفاع عن القرآن
نقطة بعدها ثُمَّ نقول : لو تعلمون علم اليقين لترونّ الجحيم . وقد سبق أن قلنا في ( سورة الكافرون ) : إنَّ الأمر قد يبلغ من الضرورة والأهمّيّة إلى حدٍّ ينبغي أن يصل فيه التأكيد إلى أقصى مداه ، والتأكيد في اللغة العربية ثلاث مرّات كحدٍّ أقصى ، وهنا مكرّرٌ مرتين لفظاً ومرّة معنى . سؤال : ما هو سبب التكرار ؟ جوابه : قال القاضي عبد الجبار : إنَّ المراد بهما مختلفٌ ، فالمراد بالأوّل كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ما ينزل بكم في الدنيا في حال الحياة والممات ، والمراد بالثاني ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ما يكون لكم في الآخرة من ثواب وعقاب ، وهذا بعثٌ من الله تعالى على التمسّك بطاعته « 1 » . أقول : ويمكن أن يُجعل قرينة على ذلك ، العطف بثمَّ التي تفيد التراخي بمعنى : ( في الآخرة ) ، ولكن ينافيها قوله : ( سَوْفَ ) في ( كَلا ) الأُولى الدالّة أيضاً على بُعد الزمان ، فيكون كلاهما للآخرة . وقال صاحب ( الميزان ) : وقيل : المراد بالأوّل علمهم بها عند الموت وبالثاني علمهم عند البعث « 2 » . وعليه فلا يرد هذا الإشكال . ولكنّنا قلنا : إنَّ التكرار للتأكيد والتركيز على الأهمّيّة ، و ( ثُمَّ ) هنا ليست للتراخي ، بل للدلالة على عدم كفاية القول مرّة واحدة ، فتكون الأُولى ثبوتيّة والثانية إثباتيّة ، كأنَّه قال : ( ثمّ أقول كلا ) لمدى أهمّيّته بحيث لا يقوم بأداء المعنى إلّا تكرار اللفظ .
--> ( 1 ) تنزيه القرآن عن المطاعن : 477 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن 351 : 20 .